المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لمحات من التاريخ الإسلامي للمنطقة وتاريخ مسجد سلنارتي العتيق


جمال يوسف عبد الدائم
01-19-2009, 01:25 PM
يعني اسم سلنارتي الجزيرة الوسطى باللغة النوبية الدنقلاوية ، أو قسكنارتي بالمحسية وهو الاسم الشائع عند أهل البلد ، وجزيرة سلنارتي هي إحدى المشيخات الثلاثة لجزيرة بدين التي تعتبر إحدى كبريات الجزر السودانية على مجرى حوض النيل العظيم ، وهي تقع بالمنطقة الجنوبية لبلاد النوبة أي جنوب الشلال الثالث بين بلاد المحس والدناقلة ، فأما المشيخات الثلاثة فهي بدين ، سقدان ، سلنارتي وهي من أخصب وأجمل الجزر في المنطقة وكانت منطقتا بدين وسقدان أراضي ثابتة منذ القدم كما دلت على ذلك الدراسات التاريخية والأثرية للمنطقة .
أما التاريخ الإسلامي للمنطقة فقد بدا بعد فتح المسلمون مصر عام 20هـ في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بقيادة عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) وقد وصل الفتح الإسلامي جنوباً حتى منطقة أسوان وبعد ذلك أرسل عمرو بن العاص والى مصر قائده عبد الله بن أبي السرح لفتح بلاد النوبة عام 641 م لكنه لم يستطع دخول العاصمة دنقلا ، وعندما أصبح القائد ابن أبي السرح والياً على مصر في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنهما) جهز حملة كبيرة استطاعت دخول دنقلا وعقد معاهدة مع حاكمها عام 652م والتي نصت على أن تؤدى بلاد النوبة جزية سنوية للمسلمين عرفت (بالبقط) بالإضافة إلى توفير الحماية لمسجد عبد الله بن أبي السرح في دنقلا العجوزة وأيضا حماية المسلمين في بلاد النوبة ، وظلت علاقة المسلمين مع مصر وجيرانهم في بلاد النوبة حسنه وفق المعاهدات الموقعة والتي التزم بها الجانبان حوالي ستة قرون وهذا مما شجع القبائل العربية بالهجرة نحو السودان كلما ساءت علاقاتها مع حكام مصر أو خلفاء بغداد إلى أن قام السلطان ناصر بن قلاوون بفتح دنقلا عام 1318م وكان ملك النوبة عبد الله بن أخ الملك داود اعتنق الإسلام فسهل ذلك انتشار الإسلام وتوطده ، وكانت الهجرات العربية إلى مصر والتي تعبر برزخ ثم تصعد إلى الجنوب حتى النوبة المصرية مستمرة إلى أن أصبحت الصلات بين شمال الوادي وجنوبه من أوثق الصلات . وهكذا أصبح معروفاً لدينا أن العرب وفدوا إلى السودان في فترات ومن أبواب مختلفة وكان منهم عرب الجوابرة الأنصار الذين وفدوا عن طريق الباب الشمالي الأوسط وقد ذكر الدكتور عون الشريف قاسم في كتابه (موسوعة القبائل والأنساب في السودان) أن الجوابرة مجموعة في وسط الدناقلة والمحس واحدهم جابري أو (جبركي) باللغة النوبية ، ويرجع نسبهم إلى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري وهم فرع من الأنصار الخزرج ، وذكر أيضا أن دار الجوابرة تمتد من شلال حنك (تمبس) إلى الخناق والزروات بالقرب من دنقلا وان مركزهم جزيرة بدين وانتقل بعضهم إلى أواسط السودان وبارا في كردفان .
والجوابرة هم أجداد الشيخ زمراوي الذين قدموا إلى السودان عن طريق مصر قادمين من الجزيرة العربية وبالتحديد من المدينة المنورة ، واستقروا بادئ ذي بدء في مدينة الفسطاط بمصر ثم اتجهوا جنوباً مع محاذاة النيل إلى النوبة المصرية أي مناطق أسوان و دراو والدر وقسطل ومنطقة قورته والعلاقي .
وفي حوالي منتصف القرن السابع الهجري جاء من بلاد الكنوز الشيخ فقير عيسى ومعه أخواه الشيخ زمراوي والشيخ منور ، أما الشيخ عيسى فقد استقر بجزيرة موركا في صاي بمنطقة السكوت والشيخ منور كما هو معروف استقر في جنوب شرق البرقيق ، بينما استقر الشيخ زمراوي بمنطقة كرمة المعروفة حالياً بوادي خليل على الضفة الشرقية للنيل قبالة جزيرة سلنارتي .
وتدل السيرة المذكورة في شجرة عائلة الشيخ زمراوي وبعض كتب الأنساب مثل كتاب (الشجرة الكبيرة) للإمام احمد الصاوي وكتاب (التعارف والعشيرة) للأستاذ عثمان حمدنا الله وكتاب ( موسوعة القبائل) للدكتور عون الشريف قاسم وكذلك كتب المؤرخ الكبير البروفسير إبراهيم أبو سليم ، على أن الشيخ زمراوي بن محمد بن الحاج ابن عكشان بن عمران كان ولياً صالحاً وعرف عنه الورع والتقى ، كما ظهرت له كرامات كثيرة وسف نأتي على ذكرها في إعداد قادمة عند ذكر سيرته ونسبه وذلك بإذن الله تعالى ، وكان الشيخ مولعاً بحب العلم ونشره وكان له مسجد لإقامة الصلوات وتحفيظ القرآن وتدريس علوم الدين ومازال محراب المسجد قائما إلى يومنا هذا ، وذلك إلى الجنوب قليلاً من قبته ، وهو عبارة عن بناء من الطين اللبن والأحجار ، وكانت مساحته صغيرة وذلك لقلة السكان في تلك الآونة ، وهذا المسجد مشابه لبعض المساجد الأثرية في منطقة المدينة المنورة والطائف وتبوك ودومة الجندل بالمملكة العربية السعودية، أما داره فقد كان إلى الشمال قليلاً من القبة أي بالقرب من أشجار الدوم الموجودة حتى يومنا هذا ، وكان سكان المنطقة في ذلك الوقت جلهم من الوافدين مع الشيخ من الحيران والمريدين وطلبة العلم وقد قدم معظمهم من جنوب مصر ومناطق السكوت والمحس وبعض مناطق الدناقلة المجاورة ، وبمرور الوقت بدأت المنطقة تزدحم بالناس مما اضطرهم إلى النزوح جنوباً إلى كرمة وشمالاً إلى عشكان والدخول إلى جزيرة سقدان وسلنارتي التي تبلورت وتكونت وصارت أكثر تماسكاً ورسوخاً من ذي قبل وامتدت إلى أقصى الجنوب وأخذت شكلها الحالي كما نشاهد الآن وصارت جزيرة مخضرة ومغرية للزراعة جذبت مزيداً من الناس للدخول إليها وزراعة بعض المحاصيل البسيطة وبدءوا ببناء بيوت مؤقتة من القصب والقش ( كشنوق) .
وكان للشيخ زمراوى أبناء كثر ، هاجر بعضهم إلى الجنوب حتى مناطق البديرية والعيلفون ومنطقة القطينة على النيل الأبيض ، والى بعض مناطق كردفان لنشر العلم والمعرفة ، وكان من أبنائه ابنه الأكبر الشيخ عبد العزيز بن زمراوى صاحب القبة الشرقية والذي خرج من صلبه معظم سكان المنطقة وهم معروفون بالجبركية ومنهم آل خليل ، وبعد وفاة الشيخ زمراوي وهو المدفون في القبة الغربية خلفه ابنه الشيخ عبد العزيز والذي قام ببناء مسجد آخر اكبر مساحة ، وذلك إلى الشرق من مسجد والده أي جنوب القبة الشرقية وكان منزله إلى الشرق منه قليلاً ويسمى (الدفي) وبذلك يعتبر هذان المسجدان بمثابة نواة للمساجد في المنطقة ، كما تم بناء العديد من المساجد في عهده مثل مسجد كرمة جنوب الدوم ومسجد عشكان ومن بينهم مسجد كرمة النزل العتيق الموجود على ضفة النيل ومن أئمة وخطباء المسجد الشيخ أبو زيد رحمه الله من أهالي سقدان وأيضا مسجد سلنارتي .


(نقل هذا الموضوع من جريدة سلنارتي الحائطية بالرياض)
( قام بالبحث والتحقيق كل من : سيف الدين خليل سيد أحمد وأبو القاسم خليل سيد أحمد )