خالد يوسف عبدالدائم
01-20-2009, 07:48 AM
أفتى بحرمة ختان الإناث إذا أدت للإضرار بالنفس والجسد والطاقات الجنسية
فضل الله: ليس لأولياء الأمر القيام بما ليس فيه مصلحة للمرأة
أجاب سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله عن استفتاءات وردت إليه مؤخراً في شأن الموقف الإسلامي من ختان الإناث، وجاء رد سماحته على النحو الآتي:
إننا ومن خلال دراستنا للنصوص المأثورة الواردة في هذا المجال، نجد أنّ ختان الإناث لم يكن صنيعة الإسلام؛ ولم يكن الإسلام أساساً له، بل كان عادةً يُمارسها الجاهليّون كأسلوبٍ يدخل ـ في نظر أصحابه ـ في إطار الزينة والتجمّل للمرأة بالنسبة لزوجها أو لذاتها.
وفي هذا المجال، نجد أنّ ما ورد لدينا عن أئمّة أهل البيت (ع) صريح في نفي السُنّة عن ختان الإناث، وهو المعبّر عنه بخفض الجواري.
من ذلك ما رواه أبو بصير المرادي عن الإمام محمّد الباقر (ع)، قال: «سألتُ أبا جعفر (ع) عن الجارية تُسبى من أرض الشرك، فتُسلم، فيُطلب لها من يخفضها فلا يقدر على امرأة، فقال: أمّا السنّة فالختان على الرجال، وليس على النساء». وفي رواية أخرى، عن الإمام جعفر الصادق (ع)، قال: «ختان الغلام من السنّة، وخفض الجارية ليس من السنّة».
وفي رواية ثالثة تُنفى السنّة عن الختان، ولكنّه يصنّف ضمن المكرمات الاجتماعية، وذلك ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (ع)، قال: «خفض النساء مكرمة، وليس من السنّة، ولا شيئاً واجباً».
الواضح من خلال ما تقدّم من الروايات، أنّ خفض النساء ليس من السنن، وهذا يعني أنّ الإسلام لم يُشرّع له حُكماً شرعيّاً استحبابيّاً باعتباره يشتمل على مصلحة راجحة تدفع إلى التشريع بما يوافقها، بل أقصى ما هناك أنّه من المكرمات الاجتماعيّة التي تدخل في إطار العادات والتقاليد المتّبعة آنذاك؛ بل قد يستشعر من الرواية الأولى أنّ السائل لم يأتِ ليسأل عن حُكم الختان، بل عن العمل في ظلّ عدم وجود امرأة تقوم به؛ ما يجعل جواب الإمام الباقر (ع) توجيهاً مباشراً للسائل، ومن ورائه للمجتمع في ذهنيته العامة، لعدم اعتبار الختان من الأمور التي للإسلام علاقة بها من ناحية تشريعية.
ولعلّه من الواضح أنّ مواجهة العادات الاجتماعيّة المتأصّلة في سلوك الناس لا يُمكن أن تتمّ بالنحو الصدامي الحادّ، بل تأخذ ـ في الواقع ـ حركةً متدرّجةً تؤدّي إلى غياب هذه العادة في نهاية الأمر. وقد استخدم الإسلام هذا الأسلوب في مسألة تحرير العبيد؛ لأنّ من شأن التحريم القاطع أن يؤدّي إلى اهتزازات كُبرى في النظام الاجتماعي لحياة الناس، بينما أدّى إيجاد منافذ لنظام الرقّ إلى أن يختفي نهائيّاً، من دون الحاجة إلى ثورة اجتماعيّة كانت ستفوّت الفرصة على تحقيق أهداف الإسلام الأساسيّة في الدعوة آنذاك.
ومن الممكن للتحليل أن يأخذ مجراه، في طريقة علاج الإسلام لبعض العادات والسلوكيّات، وحتّى الأفكار، وذلك عن طريق إيجاد الأرضيّة الفكرية التي تحترم المرأة، كإنسان له وجوده إلى جانب الرجل في الحياة، والتي تساهم في إيجاد الأرضيّة النفسية التي تثق فيها المرأة بنفسها، وتملك الشعور بحضورها، إضافة إلى إخراج الجنس من إطار العيب الاجتماعي بالنسبة للمرأة، ووضعه في الموضع الطبيعي البشري الذي هو حقّ للمرأة وللرجل، كل ذلك يؤسس لاضمحلال كثير من العادات التي لا تملك رجحاناً في ذاتها، بل تتحرك في إطار السلبيات في أكثر من جانب.
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «لمّا هاجرت النساء إلى رسول الله (ص)، هاجرت فيهنّ امرأة يُقال لها أم حبيب، ـ وفي رواية أخرى أمّ طيبة ـ، وكانت خافضة تخفض الجواري، فلمّا رآها رسول الله (ص)، قال لها: يا أمّ حبيب، العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت: نعم يا رسول الله، إلا أن يكون حراماً فتنهاني عنه، قال: بل حلال، فادني منّي حتّى أعلّمك. قالت: فدنوت منه، فقال: «يا أمّ حبيب، إذا فعلتِ، فلا تنهكي ولا تستأصلي وأشمّي؛ فإنّه أشرق للوجه وأحظى عند الزوج...».
قال في تاج العروس: «أشمّ الحجّام الختان، والخافضة البظر»، إذا أخذا منهما قليلاً، وقال في موضع آخر: «النهك، هو المبالغة في كلّ شيء»، وفي تفسير قوله: «لا تُنهكي»، قال: «أي لا تبالغي في استقصاء الختان، ولا في إسحات مخفض الجارية، ولكن اخفضي طريفه».
إنّ هذا الحديث يندرج في إطار التوجيه الإسلامي الذي أشرنا إليه، وربما يشير إلى التدرج الذي ألمحنا إليه، كما يوحي من خلال مبادرة النبيّ(ص) إلى استثارة الموضوع لدى الخافضة، بأن العمل ليس من الأمور المُباحة على إطلاقها، بل إنّ فيه نوعاً من الحزازة، ظهر من خلفيّة مبادرة المرأة للسؤال عن إمكانيّة نهي النبيّ(ص) لها عن عملها. ولذلك وجّه النبيّ الخافضة إلى ضرورة ممارسة هذا العمل بما لا يؤدّي إلى ضرر على المرأة، بل إنّنا نفهم من قول النبيّ (ص): «فلا تنهكي ولا تستأصلي» التحريم الشرعي لذلك؛ لما قرّره الأصوليّون من أنّ ظاهر النهي هو الحرمة، إلاّ أن يدلّ دليل على عدمه. هذا، مضافاً إلى مبدأ حرمة الإضرار بالنفس التي يندرج في إطارها كلّ ضرر من دون حاجة إلى نصّ خاص.
والخلاصة، أنّ ختان الإناث ليس من السنّن المستحبّة، فضلاً عن كونه ليس واجباً، وما صنعه الإسلام هو أنّه أخرجه من الدائرة التشريعيّة، ليُترك المجال للتغيّر في العادات الاجتماعيّة، بدءاً من التوجيه الذي مارسه أئمّة الإسلام في التأكيد على عدم كونه من السنة، ومروراً بتطوير القاعدة الفكريّة عبر المناخ الفكري والثقافي الذي أرسى الإسلام دعائمه، والقائم على التجربة إلى جانب التأمّل، ما يُفسح في المجال أمام التطوّر العلمي لدراسة الإيجابيّات والسلبيّات على أسس علميّة، تضع المسألة في موضعها من المنع أو التوجيه.
وعلى هذا الأساس، فإننا نعتبر أنّ أيّ أمر خارج عن إطار التشريع الإسلامي لا يؤدّي إلى الضرر، يدخل في إطار الاختيار الشخصي، الذي لا يُمكن أن يُفرض بالإكراه، كما أنّه ليس لأولياء المرأة أن يمارسوا ما لا يدخل في مصلحتها التي تحدّد في إطار علمي موضوعي، وأنّ كلّ ما يؤدّي إلى الضرر، سواء كان من الناحية الجسديّة الصحّية، أو غيرها، حرامٌ شرعاً، والله من وراء القصد.
مكتب سماحة المرجع آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله
المرجعية > من فقه الحياة >
فضل الله: ليس لأولياء الأمر القيام بما ليس فيه مصلحة للمرأة
أجاب سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله عن استفتاءات وردت إليه مؤخراً في شأن الموقف الإسلامي من ختان الإناث، وجاء رد سماحته على النحو الآتي:
إننا ومن خلال دراستنا للنصوص المأثورة الواردة في هذا المجال، نجد أنّ ختان الإناث لم يكن صنيعة الإسلام؛ ولم يكن الإسلام أساساً له، بل كان عادةً يُمارسها الجاهليّون كأسلوبٍ يدخل ـ في نظر أصحابه ـ في إطار الزينة والتجمّل للمرأة بالنسبة لزوجها أو لذاتها.
وفي هذا المجال، نجد أنّ ما ورد لدينا عن أئمّة أهل البيت (ع) صريح في نفي السُنّة عن ختان الإناث، وهو المعبّر عنه بخفض الجواري.
من ذلك ما رواه أبو بصير المرادي عن الإمام محمّد الباقر (ع)، قال: «سألتُ أبا جعفر (ع) عن الجارية تُسبى من أرض الشرك، فتُسلم، فيُطلب لها من يخفضها فلا يقدر على امرأة، فقال: أمّا السنّة فالختان على الرجال، وليس على النساء». وفي رواية أخرى، عن الإمام جعفر الصادق (ع)، قال: «ختان الغلام من السنّة، وخفض الجارية ليس من السنّة».
وفي رواية ثالثة تُنفى السنّة عن الختان، ولكنّه يصنّف ضمن المكرمات الاجتماعية، وذلك ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (ع)، قال: «خفض النساء مكرمة، وليس من السنّة، ولا شيئاً واجباً».
الواضح من خلال ما تقدّم من الروايات، أنّ خفض النساء ليس من السنن، وهذا يعني أنّ الإسلام لم يُشرّع له حُكماً شرعيّاً استحبابيّاً باعتباره يشتمل على مصلحة راجحة تدفع إلى التشريع بما يوافقها، بل أقصى ما هناك أنّه من المكرمات الاجتماعيّة التي تدخل في إطار العادات والتقاليد المتّبعة آنذاك؛ بل قد يستشعر من الرواية الأولى أنّ السائل لم يأتِ ليسأل عن حُكم الختان، بل عن العمل في ظلّ عدم وجود امرأة تقوم به؛ ما يجعل جواب الإمام الباقر (ع) توجيهاً مباشراً للسائل، ومن ورائه للمجتمع في ذهنيته العامة، لعدم اعتبار الختان من الأمور التي للإسلام علاقة بها من ناحية تشريعية.
ولعلّه من الواضح أنّ مواجهة العادات الاجتماعيّة المتأصّلة في سلوك الناس لا يُمكن أن تتمّ بالنحو الصدامي الحادّ، بل تأخذ ـ في الواقع ـ حركةً متدرّجةً تؤدّي إلى غياب هذه العادة في نهاية الأمر. وقد استخدم الإسلام هذا الأسلوب في مسألة تحرير العبيد؛ لأنّ من شأن التحريم القاطع أن يؤدّي إلى اهتزازات كُبرى في النظام الاجتماعي لحياة الناس، بينما أدّى إيجاد منافذ لنظام الرقّ إلى أن يختفي نهائيّاً، من دون الحاجة إلى ثورة اجتماعيّة كانت ستفوّت الفرصة على تحقيق أهداف الإسلام الأساسيّة في الدعوة آنذاك.
ومن الممكن للتحليل أن يأخذ مجراه، في طريقة علاج الإسلام لبعض العادات والسلوكيّات، وحتّى الأفكار، وذلك عن طريق إيجاد الأرضيّة الفكرية التي تحترم المرأة، كإنسان له وجوده إلى جانب الرجل في الحياة، والتي تساهم في إيجاد الأرضيّة النفسية التي تثق فيها المرأة بنفسها، وتملك الشعور بحضورها، إضافة إلى إخراج الجنس من إطار العيب الاجتماعي بالنسبة للمرأة، ووضعه في الموضع الطبيعي البشري الذي هو حقّ للمرأة وللرجل، كل ذلك يؤسس لاضمحلال كثير من العادات التي لا تملك رجحاناً في ذاتها، بل تتحرك في إطار السلبيات في أكثر من جانب.
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «لمّا هاجرت النساء إلى رسول الله (ص)، هاجرت فيهنّ امرأة يُقال لها أم حبيب، ـ وفي رواية أخرى أمّ طيبة ـ، وكانت خافضة تخفض الجواري، فلمّا رآها رسول الله (ص)، قال لها: يا أمّ حبيب، العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت: نعم يا رسول الله، إلا أن يكون حراماً فتنهاني عنه، قال: بل حلال، فادني منّي حتّى أعلّمك. قالت: فدنوت منه، فقال: «يا أمّ حبيب، إذا فعلتِ، فلا تنهكي ولا تستأصلي وأشمّي؛ فإنّه أشرق للوجه وأحظى عند الزوج...».
قال في تاج العروس: «أشمّ الحجّام الختان، والخافضة البظر»، إذا أخذا منهما قليلاً، وقال في موضع آخر: «النهك، هو المبالغة في كلّ شيء»، وفي تفسير قوله: «لا تُنهكي»، قال: «أي لا تبالغي في استقصاء الختان، ولا في إسحات مخفض الجارية، ولكن اخفضي طريفه».
إنّ هذا الحديث يندرج في إطار التوجيه الإسلامي الذي أشرنا إليه، وربما يشير إلى التدرج الذي ألمحنا إليه، كما يوحي من خلال مبادرة النبيّ(ص) إلى استثارة الموضوع لدى الخافضة، بأن العمل ليس من الأمور المُباحة على إطلاقها، بل إنّ فيه نوعاً من الحزازة، ظهر من خلفيّة مبادرة المرأة للسؤال عن إمكانيّة نهي النبيّ(ص) لها عن عملها. ولذلك وجّه النبيّ الخافضة إلى ضرورة ممارسة هذا العمل بما لا يؤدّي إلى ضرر على المرأة، بل إنّنا نفهم من قول النبيّ (ص): «فلا تنهكي ولا تستأصلي» التحريم الشرعي لذلك؛ لما قرّره الأصوليّون من أنّ ظاهر النهي هو الحرمة، إلاّ أن يدلّ دليل على عدمه. هذا، مضافاً إلى مبدأ حرمة الإضرار بالنفس التي يندرج في إطارها كلّ ضرر من دون حاجة إلى نصّ خاص.
والخلاصة، أنّ ختان الإناث ليس من السنّن المستحبّة، فضلاً عن كونه ليس واجباً، وما صنعه الإسلام هو أنّه أخرجه من الدائرة التشريعيّة، ليُترك المجال للتغيّر في العادات الاجتماعيّة، بدءاً من التوجيه الذي مارسه أئمّة الإسلام في التأكيد على عدم كونه من السنة، ومروراً بتطوير القاعدة الفكريّة عبر المناخ الفكري والثقافي الذي أرسى الإسلام دعائمه، والقائم على التجربة إلى جانب التأمّل، ما يُفسح في المجال أمام التطوّر العلمي لدراسة الإيجابيّات والسلبيّات على أسس علميّة، تضع المسألة في موضعها من المنع أو التوجيه.
وعلى هذا الأساس، فإننا نعتبر أنّ أيّ أمر خارج عن إطار التشريع الإسلامي لا يؤدّي إلى الضرر، يدخل في إطار الاختيار الشخصي، الذي لا يُمكن أن يُفرض بالإكراه، كما أنّه ليس لأولياء المرأة أن يمارسوا ما لا يدخل في مصلحتها التي تحدّد في إطار علمي موضوعي، وأنّ كلّ ما يؤدّي إلى الضرر، سواء كان من الناحية الجسديّة الصحّية، أو غيرها، حرامٌ شرعاً، والله من وراء القصد.
مكتب سماحة المرجع آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله
المرجعية > من فقه الحياة >