المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أما من رجل رشيد


أبو خالد
10-19-2010, 06:26 AM
رأيت ليل الغربة كماء آسن في وعاء أكله الصدأ ، أوعربة يجرها حصان مجهد إلى آخر العمر.
والليل في مدينتا يقتات على الفضائح وكلما جالسته أمام نافذتي روى لي عن فضائح مدينتنا وهو يتلصص بين الفينة والأخرى خوفاً أن يداهمه الفجر ... كي لا أره يموت فالليل في مدينتي يقتل على يد الفجر مرة كل نصف يوم ... وقبل أن يباغته الفجر بخنجره المضيىء ينسل من نافذتي ويودعني على وعد بلقاء قريب .
لكنه بعد أن ينصرف أكتشف أنه تطلع في أوراقي الخاصة والتقط كلمات من مفكرتي ليقصها على آخرون ينتظرونه امام نوافذهم ليقص لهم عن فضائحي الصغيرة التي خبأتها في أضابير مفكرتي.

أتسلل عندما أفتقد الليل أمام نافذتي ... لأبحث عنه فأرتاد الأرصفة لأنها المكان الوحيد في بلادي التي لا تسأل المارة عن ألوان احذيتهم وهويتهم الدينية والعرقية وعن ما يمارسونه في بيوتهم التي تمتد في شوارعها الخلفية ... لأسئلها إن كان الليل قد مر من هنا.

أكتشف أنني أفتقد مع الليل النوم ... وأعد كم من السنين لم أنام فيها كما ينام طفلي الصغير ... وأتعجب من قدرة هذا المخلوق على الكيفية التي يستطيع بها أن يباغت النوم في الوقت الذي يشاء! لأعود وأكتشف أنني أفتقد مع الليل والنوم البكاء ... إذ يبدوا أن النوم والبكاء يتبعان الليل في تشرده الليلي.

أتكىء على حافة الذاكرة علها تستدر شيئاً يدفعني للبكاء فأتذكر أن آخر يوم بكيت فيه فاضت عيون من الماء فأغرقت مدينتي وأسقطت البيوت فخرجت فضائح الناس من البيوت إلى الشارع ... وبكى الليل على نوافذ تساقطت ... كان يستلذ له أن يتسقط فضائحه ليرويها للجالسين فيها ... وكانت هذه أول ليلة يبات فيها الليل دون أن يجد شيئاً يرويه للناس.

أعود سريعاً إلى طفلي الصغير وأحتضنه لأدس نحيبي فوق صدره ... فيمسح ما تساقط من دموعي ويضحك ... فأضحك كما لم أضحك من قبل .

أهرول نحو قبر أمي وأسألها أن تلوليني وتحكي لي حكاية فاطمة السمحة ... وكيف أنزلت ضفائرها من نافذة القصر ليلاً ليتسلق عليها حبيبها ويبثا الليل شوق عمر بأكمله ... ثم يعود متسللاً على صهوة حصانه الأبيض.. في اللحظة التي يبدأ فيها الفجر بنحر الليل ... فتقول لي بأن فاطمة لم تعد تلك السمحة ولم يعد فارسها هو الفارس ... فقد قصت فاطمة جدائلها وصبغت شعرها وصارت تتحدث ( هـــيك ) أما فارسها فقد أمتطاه الروم منذ زمن بعيد ... ولم يعد هو فارسها في الغرام.

أسألها أن تلقمني صدرها كما كانت تفعل عندما أبكي .. وتغني لي تلك الأهزوجة التي يبدوا أن النوم نفسه كان يحب أن يسمعها فيأتي مسرعاً ليسكن جفوني فأنام ... يا نوم تعال سكت الجهال ... يانوم تعال سكت الجهال ... فتشير إلى قبرها ... فيقول لي القبر يا بني ... جف الحليب ورفعت الرحمة.

في محاولة يائسة أحاول ملولات نفسي فأغني لها ... يا نوم تعال سكت الجهال .. يانوم تعال سكت الجهال ... وأبوء بالفشل فصوتي لا يهدهدني كما كان صوت أمي ... أكتشف في هذا الليل المليء بالإكتشافات بأنني أحن إلى صوت أمي ...

لا يوجد غيري في هذه المدينة يلوك الصحو فالجميع نيام ... وما زال طفلي يمص أصبعه وهو نائم فأنظر إلى وجهه الذي لطخته الحلوى وبعض الخربشات من قلم تركته فرسم به على وجهه ويديه حروف لا يستطيع سبر كنهها غيره فأقول له نم عليك السلام.

أظل وحدي الغريب في المدينة أنظر بإتجاه الشمس... فالشمس في مدينتي تولد للغرباء وحدهم ... فوحدهم الذين يتحسسون إتجاهها ربما لآن الغريب أعمى ... كما يقولون .

يداهمني يأس ممض فأردد صلاة جارتنا المسيحية ...( أبانا الذي في السماء أعطنا خبز يومنا كفافاً ولا تدخلنا في التجربة ) وتأبى يد الله إلا أن تدخلني في تجربة البحث عن الليل والنوم والبكاء وصوت أمي ...

أتوجه إلى أوراقي لأبدء من صباح أول يوم في فجر التاريخ وأكتب ... في البدء كانت الكلمة وكان إسم الرب مباركاً ... فأكتشف قبل إنتهاء السطر بأنني لا أقول الحقيقة لأن الليل في البدء لم يكن مظلماً كما هو الآن وكان مضيئاً بنور ربه ... حتى دنسناه فأسود وجهه من فضائحنا ... فأترك أوراقي وأعاود البحث عن الليل والنوم والبكاء وصوت أمي .

ادير محرك سيارتي وأتطلع إلى الساعة الموجودة بداخلها ... فتقول لي أن ما افعله محض هراء فساعتي اللعينة لا تأبه بالوقت ... لأنها تعتقد أن الوقت هباء في مدينتنا ... وتأبه فقط لحالتي النفسية ... وترفض كعادتها التسكع ليلاً ... لأنها لا تحب أن تكون كما أبوالسرة الجالس في ضل العمارات أم كمرةً برهـ ... فسيارتي تكره الكمرات المبثوثة في الشوارع لأنها تقيدها في سيرها وتعقلها متى ما أرادت التوكل ... كما تكرهـ رجال المرور الذين يتحسسون مؤخرتها ليلاً في مكامنهم الليلية ليروا إن كانت تحمل ممنوعاً ... وهي حساسة تجاهـ مؤخرتها.

أعود إلى نافذتي ... فأجد اللاشىء هناك ... فأقول له
اريد أن أبكي ... أما من رجل رشيد يهز أعمدة البكاء في هذه المدينة النائم أهلها..

فيبكي اللاشىء

محمد جوريه
10-20-2010, 06:41 AM
الأستاذ / ابو خالد

تحية وإحترام
إدارة منتديات وادي خليل تشكرك على تواجدك الدائم والمستمر على صفحات المنتدى ، وتتمني أن يتواصل إبداعك معنا.

دمتم في حفظ الله ورعايته

أبو خالد
10-23-2010, 06:47 AM
الأستاذ / ابو خالد

تحية وإحترام
إدارة منتديات وادي خليل تشكرك على تواجدك الدائم والمستمر على صفحات المنتدى ، وتتمني أن يتواصل إبداعك معنا.

دمتم في حفظ الله ورعايته




محمد ياصاحبي الجميل

نجثو على ما تبق من أغاني ولم يزدنا يا محمد الورود إلا عطشاً ..
ولنا في هذا المنتدى مماشينا القصيرة المنتزعة ، وحلاوة ريد
في عيون أهله وكلمة طيبة

ولنا فيه رنة أسامينا في أفواه الأصدقاء ..

ولنا فيه حلم أخير بيوم كامل (حين ميسره)

فائق مودتي

أحمد حسين خيري
10-23-2010, 06:57 AM
أخي محمد جورية- يالهذه الروعة من هذا القلم الأنيق- أبو خالد- دائماً ماأحلق فرحاً وتسمو النفس مع العبارات الصادقة- أخي أبو خالد هذا العطاء الرائع منكم ينم عن نفس تواقة للمعالي وشفاقية عالية نادرة الوجود في التعاطي مع مجريات الأحداث- ندعو الله أن يستمر هذا المطر الرذاذ ماءً هنياً لتخضر المساحات اليباب وينمو الثمر ويحلو الأنس والتواصل.
خاتمة: هو منتدى واحة وارفة الظلال لكل انسان مفعم بالمشاعر الجميلة.

محمد عوض محمد عبدون
10-24-2010, 09:49 AM
أتكىء على حافة الذاكرة علها تستدر شيئاً يدفعني للبكاء فأتذكر أن آخر يوم بكيت فيه فاضت عيون من الماء فأغرقت مدينتي وأسقطت البيوت فخرجت فضائح الناس من البيوت إلى الشارع ... وبكى الليل على نوافذ تساقطت ... كان يستلذ له أن يتسقط فضائحه ليرويها للجالسين فيها ... وكانت هذه أول ليلة يبات فيها الليل دون أن يجد شيئاً يرويه للناس.

"]شكرا ابو خالد على هذا الأسلوب السلس الفريد فكلماتك لها إيقاع لطيف وجرس خاص يأسر الألباب . لغة رصينة تقف مشدوهاً أمامها . لك مني كل المنى ودمت بعافية . [/size]

أبو خالد
10-24-2010, 01:01 PM
الأحباء أحمد حسن خيري ومحمد عوض الود كله لكم والتقدير جله لكم والحب معظمه لكم ولنتقاسم الظل يوم لا ظل إلا ظله مروركم مفرح وبهي

ريم الوادى
10-24-2010, 02:02 PM
هنا كنت اقاسى معك ليل الغربه .....و كنت اتابع خطوات قلبك فى بحثه عن الليل والنوم والبكاء وصوت أمك ....

الا ان رايت وجهك يطل من نافذتك

يترقب بلهفه ظهور المخلص الذى سوف يوقظ المدينه من سباتها

......

ابشرك سياتى قريباً

الاخ الفاضل / أبو خالد.....مساءك قامات امــل .. لا ينحدر بك ابدا

اعدت قراءتك مرارا وكل مره اخرج اكثر انبهارا من ابداع قلم ادرك معنى التميز

وقفة إعجاب لك من اختك ريم
http://http://bp3.blogger.com/_IDujqATYa9o/SFvgWH_ef6I/AAAAAAAAAGg/neuYkQJn4jI/s400/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%86.jpg

أبو خالد
10-24-2010, 02:41 PM
العزيزة ريم الوادي

طريق طويل هو ذلك الذي نقطعه
من الصرخه الاولى
وحتى الشهيق الطويل

طريق حافل بالمفاجأت
والمفارقات

قائم على المتناقضات

ومنا من سلكه
سعيا
ومنا من يعبره
زحفا
او سقوطا
او يختصر المسافات
بالطيران

لكننا كلنا نلتقي في منعطفاته
على الرغم من اختلافاتنا
نجتازها بما اوتينا
من عزم وخبره وقوه

ثم لا نلبث نتابع الطريق

وتبقى ذاكره الوجع
متيقظة فينا
تجبرنا على البوح
فتفيض الكلمات فينا
وتلبسنا شوك الارق
لتسلبنا المنام

شكرا جزيلا لحضورك الانيق دوما

ولك مني كل الود والتقدير