فتحي سيد
12-08-2008, 09:45 AM
عندما تحولت التهاني إلى تعازي
جالت بالذهن الآن أشياء عدة.. فقد تذكرت الوالد الحبيب في هذه اللحظات.. ففي مثل هذا اليوم من العام الماضي وفي مثل هذه اللحظات كان بيننا وفجأة ارتحل تاركاً الحياة الدنيا..
كان يتمنى أن يتوفاه الله يوم جمعة.. فتوفاه الله في اليوم العيد.. يوم الحج الأكبر.. والحجاج على صعيد (منى) بعد أن عادوا من عرفات الله الطاهرة (أمس).. كان في يوم (الوقفة) الماضية يشدو مردداً: ألا يا راحلين إلى منىً بقيادي.. هيجتُم يوم الرحيل فؤادي.. مكرراً عدة مقاطع من رائعة البرعي اليمني.
وفي صباح العيد السعيد وبعد أن لبست الدور والمنازل أبهى وأحلى حللها.. وتزين الناس بأجمل الثياب ذهاباً للصلاة وعودة.. وبعد أن عدنا من الصلاة وطفنا بالمنازل مهنئين، وفي طريقنا مرددين (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد).. وللأحباب مستقبلين.. ثم أبدلنا ملابسنا وذبحنا أضاحينا.. كان الناس يدخلون ويخرجون مهنئين مباركين فرحين مستبشرين والتهاني في كل مكان.. كل الدنيا تضج بالعيد وضحكات الأطفال.. ولكن... ووسط هذا الحبور وهذه البهجة بالعيد السعيد فجأة تبدلت الأفراح أتراحاً.. والتهاني عزاءً..
فقد كانت اللحظة الموعودة.. الوالد اعتراه تغيير فجائي.. وفي لحظة ارتفعت أنفاسه وتسارعت متضايقة للحظات معدودة ثم بدأ يهدأ واستعدل في رقدته.. ورغم توقعي لأمر الله فلم يأت للذهن أبداً أن هذه هي اللحظة الأخيرة ولا أدري السبب..!!
ظللنا حوله نرجو أن تهدأ الأنفاس التي تعالت فجأة.. ردد الوالد: (اللهم أمتني مسلماً وألحقني بالصالحين).. (لا إله إلا الله).. فقلنا محمد رسول الله.. فأكمل (محمد رسول الله).. وقلت مطمئنا إن شاء الله ستهدأ.. ريح نفسك وارتاح.. وظللنا صامتين ننظر وننتظر والسكون يعُم.. وقلت: (بسم الله الرحمن الرحيم) وحاول أن يردد معي فاجتهد ولكن لم يطاوعه لسانه ولم يستطع رغم اجتهاده للحديث..
أحضرت الوالدة ماءً في كوب.. وقُطرت في فيه بعض القطرات.. وفجأة صمت صمتاً تاماً وشخص بصره وهدأ نفسه.. ذهلنا بما حدث ووقفنا واجمين.. نحاول أن نستوعب الموقف.. ذهول تام.. الأمر مهيب.. خيم السكون.. هل تم أمر الله بدأنا نتساءل؟!.. قالت أم معاذ: (ربما كان غمراناً فقد غمر ذات مرة وأفاق).. تراكض جميع الموجودون في تلك اللحظة في اتجاهات شتّى.. ذهب البعض لاستدعاء طبيب جار لنا.. وركض البعض نحو الأكاديمية لإحضار طبيب من هناك.. استدعيت أخي عبدو الذي ذهب لمعايدة أصدقائه، واتصلت بشقيقتي التي غادرت إلى أهل زوجها.. وبقينا واجمين نحاول أن نستعيد توازننا.. انشغلت القلوب بالابتهال إلى الله الواحد الأحد المحيي المميت، أن يلطف في قضائه وقدره ومع إيمان يحدو القلوب رجاءً وأملا.. وظلت "أم سجى" تتلو "ياسين"..!!
تجمع كل من كان في الدار ومن كان قريباً من الجيران.. حضر الطبيب وأجرى فحصه وشخص الوضع: (يوجد نبض لكنه ضعيف وهنالك علامات احتضار).. وحضرت طبيبة الأكاديمية أيضاً وأجرت فحصها ثم قالت: أحسن الله عزاءكم..!
نعم انتقلت الروح إلى باريها يوم العيد (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).. كان الوعد الموعود دون تقديم أو تأخير.. في مثل هذا اليوم منذ عام مضى.. الأربعاء 10 ذي الحجة 1428هـ الموافق لـ19 من ديسمبر 2007م.. انتهت رحلة إنسان، صوت اختفى، ونبض توقف، وظل لم يعد له على الأرض وجود! سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، أنت الخالق وإليك يعود الأمر كله..
بدأ الجميع يردد: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (إنا لله وإنا إليه راجعون) (الحمد لله) (الحمد لله).
لا إله إلا الله ظللت أردد.. نظرت في شاشة الجوال.. رقم نصر عبدالله خيري.. اتصلت وقلت: (نصر.. لقد تم أمر الله). وأقفلت الخط..
طلبت من الأبناء الاتصال بالأعمام والخيلان ليحضروا الصلاة ويشهدوا الجنازة..
تجمع الناس من كل حدب صوب في لحظات.. تسارع رنين الجوالات وسيلة العصر الأسرع.. كل الأهل.. كل الجيران.. كل المعارف.. الأصدقاء في يوم عيد.. تناقلت الأسماع الخبر سريعاً فقد كان الجميع في عطلة وعلى موائد الإفطار فشهد صلاته خلق كثير..
تذكرت "محمد نوري حامد" وهو يقول أنه عدّ صفوف المصلين في مصلى مقابر الصحافة التي تتسع لسبع صفوف فكانت أكثر من تسعة. وقال لي صالح قوري بعد أول جمعة في جامع الهدى وبعد أن دعا الإمام في خطبته للوالد معدداً مآثره ومذكراً بارتياده للمسجد رغم كبر سنه وطول مرضه.. قال قورتي: (نحن شفنا جنازات كتير حق الأهل والتانين لكن زي حق أبوك دا ما شفناه وأول مره نشوف خلق كتير قدر دا).. تذكرت هذا الحديث أيضاً يوم تكريمه في الجمعية وتذكرنا معاً حاج "بشير رمرم" رحمه الله فقال لي شيئاً عنه وبكى وأبكاني معه في تلك اللقطة التي أخذت لنا وأنا أقبل رأسه يوم تكريم الجمعية..!!
رحمك الله يا أبي.. فقد سمعنا أن كثرة المصلين بشرى سعادة بإذن الله.. أسعدنا الله جميعاً بلقائك في الجنات..!!
نعم.. كان الرحيل من ظهر الأرض إلى بطنها أسرع، وكان قضاء الله نافذا وتلك سنّة الله في رحيل البشر والله سبحانه يقول مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما جعلنا لبشر من قبل الخلد أفإن مت فهم الخالدون) وهذا أكبر عزاء لكل من فقد قريباً أو صديقاً أو غالياً في هذه الدنيا..!
نعم، ما أكثر الفواجع والمحن في حياة الإنسان من ساعة الميلاد حتى ساعة الأجل، ولكن يبقى الصبر سلاح المؤمن في مواجهة مصائب الدهر وفواجعه وبه يستطيع الإنسان أن يتصدى لكل محنة، وامتثال الصبر عند حلول المصائب امتثال لأمر الرب جل في علاه القائل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).. وأقدار الله بنا واقعة شئنا أم أبينا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لله تعالى ما أخذ وأعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى). وما نقول إلا ما قال ربنا: (إنا لله وإنا إليه راجعون) وما قاله نبينا محمد (ص) وفي ولده نقوله في والدنا: (إنا على فراقك يا أبي لمحزونون)..!
نسكب مشاعرنا، ونذرف دموعنا.. ونبكي شطراً عذباً من حياتنا.. فقد رحل سيد العطف والإحسان.. رحل زمنٌ من حبٍ وجمال مجسد في قلب وعقل.. افتقدناه.. لكننا كنا نعزي النفس بالصبر الذي زرعه في قلوبنا..
انتهى العزاء وبقيت دارنا لأول مرة خاليةً منك يا أبي.. فقدنا الأب.. فقدنا الصديق.. فقدنا الحبيب.. كان يحرص على الصلاة أشد الحرص ويحثنا عليها.. كان حريصاً على الرحم أشد الحرص.. كان صادقاً - ولا نزكي على الله أحدا - .. قلبه لا يعرف الحقد.. يتمنى الخير للجميع.. يلاطف الجميع حتى في اللحظات الأخيرة وهو يتحامل على مرضه..
عزائي لذلك الجمع الغفير الذي صلى عليه.. عزائي للجموع التي شيعته في المقبرة.. عزائي إلى الجمع الغفير من الأهل ومن محبيه من نساء ورجال وأطفال الذين اكتظت بهم دارنا منذ سماع الخبر وعلى مدى أيام رغم إعلان انتهاء العزاء بمراسم الدفن تنفيذاً لوصيته حيث أوصى بألا يُفرش ولا يبكي ولا تجمع فلوس باسمه وأن يسرع بالجثمان.. وكان - رحمه الله – كثيراً ما يطلب عند كل حضور لي للخرطوم تفقد كفنه الذي جهزه منذ سنوات طويلة وتفقد ما به من صابون وأرياح..!
أعزي نفسي وأهلي في هذا اليوم وأعزي كل مَنْ حضر مِنْ أهل في ذلك اليوم وقد شاهدت وجوههم النيرة وهم يغطون سماء مقابر الصحافة.. عزائي للمعارف والجيران وكل من اتصل جزاهم الله عنا خير الجزاء.. عزائي للذين أحبوه من أهله وأصدقائه وزملائه في العمل.. عزائي لـ(جماعة المسجد) الذين كان لا يهتم لأحد مثل اهتمامه بهم.. ففي كل مناسباتنا كان أول ما يطلبه - رحمه الله - دعوة جماعة المسجد..
أدعو الله العلي القدير أن يرحمك يا أبي وأن يسكنك الفردوس الأعلى وأسأله أن يرزقنا بره ميتاً بدوام الأعمال الصالحة.. اللهم أجزه عنا خير الجزاء على ما ترك لنا من سيرة عطرة بين الناس.. وأدعوك يا الله أن تجمعنا به في جناتك جنات النعيم فقد كان لسانه في آخر أيامه لا يتوقف عن ترديد (لا إله إلا الله).. (اللهم أمتني مسلماً وألحقني بالصالحين) وكانت آخر كلمة خرجت من فمه قبل أن تفيض روحه وتلحق بباريها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)..
شكراً جماعة حسن الخاتمة..
بلسان يُسبح ويدعو شاكراً وبقلب ينبض خاشعاً أدعو بالثواب العظيم للذين وفروا كل ما يحتاجه المرء بالمقابر من تجهيز قبر وتحضير ماء ورمل وطين وشواهد قبور أسمنتية مرقمة.. فقد صارت القبور في السودان تُعد وتجهز مسبقاً مثل اللتي في السعودية..!
نسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعاً ونسأله الرحمة الواسعة والمغفرة والرضوان والجنّة للوالد ولكل المسلمين..!!
وكل عام وأنتم بخير.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..
فتحي سيد – الرياض
الاثنين 10-12-1429هـ
جالت بالذهن الآن أشياء عدة.. فقد تذكرت الوالد الحبيب في هذه اللحظات.. ففي مثل هذا اليوم من العام الماضي وفي مثل هذه اللحظات كان بيننا وفجأة ارتحل تاركاً الحياة الدنيا..
كان يتمنى أن يتوفاه الله يوم جمعة.. فتوفاه الله في اليوم العيد.. يوم الحج الأكبر.. والحجاج على صعيد (منى) بعد أن عادوا من عرفات الله الطاهرة (أمس).. كان في يوم (الوقفة) الماضية يشدو مردداً: ألا يا راحلين إلى منىً بقيادي.. هيجتُم يوم الرحيل فؤادي.. مكرراً عدة مقاطع من رائعة البرعي اليمني.
وفي صباح العيد السعيد وبعد أن لبست الدور والمنازل أبهى وأحلى حللها.. وتزين الناس بأجمل الثياب ذهاباً للصلاة وعودة.. وبعد أن عدنا من الصلاة وطفنا بالمنازل مهنئين، وفي طريقنا مرددين (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد).. وللأحباب مستقبلين.. ثم أبدلنا ملابسنا وذبحنا أضاحينا.. كان الناس يدخلون ويخرجون مهنئين مباركين فرحين مستبشرين والتهاني في كل مكان.. كل الدنيا تضج بالعيد وضحكات الأطفال.. ولكن... ووسط هذا الحبور وهذه البهجة بالعيد السعيد فجأة تبدلت الأفراح أتراحاً.. والتهاني عزاءً..
فقد كانت اللحظة الموعودة.. الوالد اعتراه تغيير فجائي.. وفي لحظة ارتفعت أنفاسه وتسارعت متضايقة للحظات معدودة ثم بدأ يهدأ واستعدل في رقدته.. ورغم توقعي لأمر الله فلم يأت للذهن أبداً أن هذه هي اللحظة الأخيرة ولا أدري السبب..!!
ظللنا حوله نرجو أن تهدأ الأنفاس التي تعالت فجأة.. ردد الوالد: (اللهم أمتني مسلماً وألحقني بالصالحين).. (لا إله إلا الله).. فقلنا محمد رسول الله.. فأكمل (محمد رسول الله).. وقلت مطمئنا إن شاء الله ستهدأ.. ريح نفسك وارتاح.. وظللنا صامتين ننظر وننتظر والسكون يعُم.. وقلت: (بسم الله الرحمن الرحيم) وحاول أن يردد معي فاجتهد ولكن لم يطاوعه لسانه ولم يستطع رغم اجتهاده للحديث..
أحضرت الوالدة ماءً في كوب.. وقُطرت في فيه بعض القطرات.. وفجأة صمت صمتاً تاماً وشخص بصره وهدأ نفسه.. ذهلنا بما حدث ووقفنا واجمين.. نحاول أن نستوعب الموقف.. ذهول تام.. الأمر مهيب.. خيم السكون.. هل تم أمر الله بدأنا نتساءل؟!.. قالت أم معاذ: (ربما كان غمراناً فقد غمر ذات مرة وأفاق).. تراكض جميع الموجودون في تلك اللحظة في اتجاهات شتّى.. ذهب البعض لاستدعاء طبيب جار لنا.. وركض البعض نحو الأكاديمية لإحضار طبيب من هناك.. استدعيت أخي عبدو الذي ذهب لمعايدة أصدقائه، واتصلت بشقيقتي التي غادرت إلى أهل زوجها.. وبقينا واجمين نحاول أن نستعيد توازننا.. انشغلت القلوب بالابتهال إلى الله الواحد الأحد المحيي المميت، أن يلطف في قضائه وقدره ومع إيمان يحدو القلوب رجاءً وأملا.. وظلت "أم سجى" تتلو "ياسين"..!!
تجمع كل من كان في الدار ومن كان قريباً من الجيران.. حضر الطبيب وأجرى فحصه وشخص الوضع: (يوجد نبض لكنه ضعيف وهنالك علامات احتضار).. وحضرت طبيبة الأكاديمية أيضاً وأجرت فحصها ثم قالت: أحسن الله عزاءكم..!
نعم انتقلت الروح إلى باريها يوم العيد (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).. كان الوعد الموعود دون تقديم أو تأخير.. في مثل هذا اليوم منذ عام مضى.. الأربعاء 10 ذي الحجة 1428هـ الموافق لـ19 من ديسمبر 2007م.. انتهت رحلة إنسان، صوت اختفى، ونبض توقف، وظل لم يعد له على الأرض وجود! سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، أنت الخالق وإليك يعود الأمر كله..
بدأ الجميع يردد: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (إنا لله وإنا إليه راجعون) (الحمد لله) (الحمد لله).
لا إله إلا الله ظللت أردد.. نظرت في شاشة الجوال.. رقم نصر عبدالله خيري.. اتصلت وقلت: (نصر.. لقد تم أمر الله). وأقفلت الخط..
طلبت من الأبناء الاتصال بالأعمام والخيلان ليحضروا الصلاة ويشهدوا الجنازة..
تجمع الناس من كل حدب صوب في لحظات.. تسارع رنين الجوالات وسيلة العصر الأسرع.. كل الأهل.. كل الجيران.. كل المعارف.. الأصدقاء في يوم عيد.. تناقلت الأسماع الخبر سريعاً فقد كان الجميع في عطلة وعلى موائد الإفطار فشهد صلاته خلق كثير..
تذكرت "محمد نوري حامد" وهو يقول أنه عدّ صفوف المصلين في مصلى مقابر الصحافة التي تتسع لسبع صفوف فكانت أكثر من تسعة. وقال لي صالح قوري بعد أول جمعة في جامع الهدى وبعد أن دعا الإمام في خطبته للوالد معدداً مآثره ومذكراً بارتياده للمسجد رغم كبر سنه وطول مرضه.. قال قورتي: (نحن شفنا جنازات كتير حق الأهل والتانين لكن زي حق أبوك دا ما شفناه وأول مره نشوف خلق كتير قدر دا).. تذكرت هذا الحديث أيضاً يوم تكريمه في الجمعية وتذكرنا معاً حاج "بشير رمرم" رحمه الله فقال لي شيئاً عنه وبكى وأبكاني معه في تلك اللقطة التي أخذت لنا وأنا أقبل رأسه يوم تكريم الجمعية..!!
رحمك الله يا أبي.. فقد سمعنا أن كثرة المصلين بشرى سعادة بإذن الله.. أسعدنا الله جميعاً بلقائك في الجنات..!!
نعم.. كان الرحيل من ظهر الأرض إلى بطنها أسرع، وكان قضاء الله نافذا وتلك سنّة الله في رحيل البشر والله سبحانه يقول مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما جعلنا لبشر من قبل الخلد أفإن مت فهم الخالدون) وهذا أكبر عزاء لكل من فقد قريباً أو صديقاً أو غالياً في هذه الدنيا..!
نعم، ما أكثر الفواجع والمحن في حياة الإنسان من ساعة الميلاد حتى ساعة الأجل، ولكن يبقى الصبر سلاح المؤمن في مواجهة مصائب الدهر وفواجعه وبه يستطيع الإنسان أن يتصدى لكل محنة، وامتثال الصبر عند حلول المصائب امتثال لأمر الرب جل في علاه القائل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).. وأقدار الله بنا واقعة شئنا أم أبينا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لله تعالى ما أخذ وأعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى). وما نقول إلا ما قال ربنا: (إنا لله وإنا إليه راجعون) وما قاله نبينا محمد (ص) وفي ولده نقوله في والدنا: (إنا على فراقك يا أبي لمحزونون)..!
نسكب مشاعرنا، ونذرف دموعنا.. ونبكي شطراً عذباً من حياتنا.. فقد رحل سيد العطف والإحسان.. رحل زمنٌ من حبٍ وجمال مجسد في قلب وعقل.. افتقدناه.. لكننا كنا نعزي النفس بالصبر الذي زرعه في قلوبنا..
انتهى العزاء وبقيت دارنا لأول مرة خاليةً منك يا أبي.. فقدنا الأب.. فقدنا الصديق.. فقدنا الحبيب.. كان يحرص على الصلاة أشد الحرص ويحثنا عليها.. كان حريصاً على الرحم أشد الحرص.. كان صادقاً - ولا نزكي على الله أحدا - .. قلبه لا يعرف الحقد.. يتمنى الخير للجميع.. يلاطف الجميع حتى في اللحظات الأخيرة وهو يتحامل على مرضه..
عزائي لذلك الجمع الغفير الذي صلى عليه.. عزائي للجموع التي شيعته في المقبرة.. عزائي إلى الجمع الغفير من الأهل ومن محبيه من نساء ورجال وأطفال الذين اكتظت بهم دارنا منذ سماع الخبر وعلى مدى أيام رغم إعلان انتهاء العزاء بمراسم الدفن تنفيذاً لوصيته حيث أوصى بألا يُفرش ولا يبكي ولا تجمع فلوس باسمه وأن يسرع بالجثمان.. وكان - رحمه الله – كثيراً ما يطلب عند كل حضور لي للخرطوم تفقد كفنه الذي جهزه منذ سنوات طويلة وتفقد ما به من صابون وأرياح..!
أعزي نفسي وأهلي في هذا اليوم وأعزي كل مَنْ حضر مِنْ أهل في ذلك اليوم وقد شاهدت وجوههم النيرة وهم يغطون سماء مقابر الصحافة.. عزائي للمعارف والجيران وكل من اتصل جزاهم الله عنا خير الجزاء.. عزائي للذين أحبوه من أهله وأصدقائه وزملائه في العمل.. عزائي لـ(جماعة المسجد) الذين كان لا يهتم لأحد مثل اهتمامه بهم.. ففي كل مناسباتنا كان أول ما يطلبه - رحمه الله - دعوة جماعة المسجد..
أدعو الله العلي القدير أن يرحمك يا أبي وأن يسكنك الفردوس الأعلى وأسأله أن يرزقنا بره ميتاً بدوام الأعمال الصالحة.. اللهم أجزه عنا خير الجزاء على ما ترك لنا من سيرة عطرة بين الناس.. وأدعوك يا الله أن تجمعنا به في جناتك جنات النعيم فقد كان لسانه في آخر أيامه لا يتوقف عن ترديد (لا إله إلا الله).. (اللهم أمتني مسلماً وألحقني بالصالحين) وكانت آخر كلمة خرجت من فمه قبل أن تفيض روحه وتلحق بباريها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)..
شكراً جماعة حسن الخاتمة..
بلسان يُسبح ويدعو شاكراً وبقلب ينبض خاشعاً أدعو بالثواب العظيم للذين وفروا كل ما يحتاجه المرء بالمقابر من تجهيز قبر وتحضير ماء ورمل وطين وشواهد قبور أسمنتية مرقمة.. فقد صارت القبور في السودان تُعد وتجهز مسبقاً مثل اللتي في السعودية..!
نسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعاً ونسأله الرحمة الواسعة والمغفرة والرضوان والجنّة للوالد ولكل المسلمين..!!
وكل عام وأنتم بخير.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..
فتحي سيد – الرياض
الاثنين 10-12-1429هـ